موظف يتناول وجبة الغداء في العمل
موظف يتناول وجبة الغداء في العمل
article comment count is: 0

ثلاجة مقر العمل.. أبعد من مجرّد حافظة للطعام

في أول جولة له كقائم بأعمال المدير المالي والإداري، عرّج “إ.ع.” – الموفد من مقر الشركة الرئيسي في مهمة مؤقتة لضبط الأوضاع بفرع العاصمة المصرية القاهرة- على حجرة منزوية اشتبه في أنها المطبخ، لكنه أصيب بصدمة، تجدّدت في الطوابق الأربعة لمقر الشركة لدى مطالعة الملصقات هنا وهناك.

توقف أمام نسخ مكررة لورقة مطبوعة بالأبيض والأسود على جوانب الثلاجة الثلاثة “الرجاء الحفاظ على نظافة الثلاجة، وللعلم فالثلاجة للاستخدام اليومي فقط”. نزع إحداها بعصبية ووجّه أحد عمّال النظافة بإزالة هذه “المناظر المستفزة”.

 بعد أسبوع من الجولة الأولى، اضطر المدير المؤقت إلى إرسال تعميم شديد اللهجة للموظفين على القائمة البريدية، شدّد فيه وأكّد وتوعّد وأنّب، ونالت الثلاجة حظها من “الدُشّ البارد”، وكان تعليقه لاذعا وكاشفا، ومجالا لتندّر الموظفين لأسابيع “بصل وعسل أسود وبرطمان ليمون معصفر (العصفر:… ) وزبادي من رمضان الفائت! خزين الصيف والشتاء؟! اعتبروها ثلاجة بيتكم على أقل تقدير. وبخصوص أغراض البعض التي تختفي في ظروف غامضة من الثلاجة، نعدكم بتعيين حارس شخصي للثلاجة والاستعانة بمخبر سري!”.

بمجرد أن تصفّحت نهى أحمد الرسالة، حتى دخلت في نوبة ضحك أثارت فضول زملائها وزميلاتها. ومن بين اندهاشها، قالت “وأنا بحط بواقي الأكل في التلاجة، بقول هرميكوا هرميكوا بس مش دلوقتي”. وعقّب آخر ساخرا “انتظري، في الطريق حتماً مدونة سلوك الثلاجة والأجهزة المعمّرة”.

مدونة سلوك.. لمَ لا؟!

تحكم سلوكيات العمل في أي مؤسسة لوائح داخلية، غير أن أمورًا كثيرة تعتبر مفروغا منها، وتبقى دون تقييد أو تضييق حتى “تفوح رائحتها” وتزعج شخصا ما، فيبادر إلى لفت الانتباه إليها، وربما تكبر شيئا فشيئا رغم “تفاهتها”، كما يزعم البعض، حتى تصل إلى مكتب المسؤول الأول للموارد البشرية بالشركة ليأخذ قرارا.

تخيّل كم شخصًا يتعاملون يوميا مع ثلاجة العمل، حتى ولو بغرض الحصول على زجاجة ماء بارد. ألا يستحق الأمر أن تكون الثلاجة مجرد جهاز معمّر يؤدي دوره المنشود بآلية وتفانٍ دون أن نجور عليه. أجل! حتى الثلاجة تحتاج أن نبادلها التقدير ونراعي تدابير سلامتها والعناية بها، وننزل راضين على شروط “القيّم” عليها، والذي سيدفع تكاليف صيانتها.

عض قلبي ولا تعض رغيفي

من جهة أخرى، الثلاجة ليست طرفاً محايدا، بل هي أيضا وسيط متداخل مع شركائك في العمل، يأتمنها هذا على طعامه وشرابه، وذاك على شوكولاتاته ليرفع بها مستوى طاقته التي فترت ويحسّن مزاجه الذي شابه بعض التعكّر… وما أكثر “الخناقات” التي تبدأ بـ”تفاحة” ولا تنتهي عند “توست الرجيم”، والتي قد تصل حدّ التنابز بالألقاب والاتّهام بـعدم الأمانة و”السرقة”.

درع حماية

من الصعب الحصول على ثلاجتك الخاصة في مقر العمل، ولكن بالإمكان أن نوفر لأغراضنا خصوصية داخل ثلاجة على المشاع تحميها من تطفل الآخرين وكذلك تفرض النظام وتزيل الفوضى داخل الثلاجة. ببساطة، استخدام الأكياس البلاستيكية محكمة الغلق يؤدي هذا الدور، وبخاصة لو وضعت اسمك على كيسك الخاص بخط ظاهر.

هناك أيضا ما يسمى “منظم الثلاجة”، وتعتمد عليه نساء عديدات في المنازل، وهو مجموعة من العبوات متوسطة الحجم والمغلقة بإحكام وعليها اسمك، هذه الطريقة توفّر رادعا نفسيا يمنع اختفاء الأشياء ويبقى الثلاجة دائما مرتبة.

روح دعابة

وجود اسمك بخطّ عريض بارز على أغراضك المغلفة كفيل بردع المتطفلين، إلا أن البعض يلجأ أحيانا إلى روح الدعابة، فيبتدع سلاح ردع خاصا به، فيضيف كلمة ما، من قبيل “شايفينكم”، “احذر! الكيس فيه سمّ قاتل”، وهكذا. مثل هذه الاجتهادات مفيدة طالما كانت تمتع بحس الدعابة وخفّة الدم، فاللغة الجافة الحادّة غير مستحبة.

إعلان بصنعة لطافة

من الصعب إزالة أسباب الشكوى إن لم يكن هناك شكوى، والبعض يؤثر الصمت على أن يطرح حلا، لكن هناك مبادرون هم الأكثر تضررًا من المشكلة، لكن ربما ينقصهم لباقة التعامل، فثلاجة مهملة وفوضوية بالتأكيد تنفّر الغالبية رغم صمتهم. لكن الأسئلة التي قد تبدو عفوية واستفهامية في ظاهرها، مع مسحة تهكم محسوبة بعناية، وتكرارها بصيغ مختلفة من حين لآخر، من الممكن أن تحمل رسائل مؤثرة أكثر مما تتخيل. ألا يوجد في مؤسسة كبيرة كمؤسستنا من يتعهد نظافة الثلاجة؟ الثلاجة رائحتها مقززة، ألا تشموها؟ وأنت وإبداعك.

بيئة تشاركية

قد تصل إلى مقر عملك وكلك أمل في الحصول على كوب نسكافيه يعيد إليك تركيزك مع بداية الدوام المسائي، وتكتشف أن الحليب قد نفد، ومهام العمل بالانتظار ولا مجال للنزول أو إرسال أحد للشراء. وضع قد يدفعك للتفكير في أي عبوة حليب بالثلاجة. هذه فرصة مناسبة لإعلان ما. استئذن من شركائك في العمل وسيلبّون غرضك في أغلب الأحيان، وكن حريصا أن تكون هذه “الحصة” صغيرة وليست آخر ما يملك الزميل، حتى لا تضعه في موضع إحراج. وهذه فرصة لترسيخ بيئة تشاركية مريحة للجميع، فالأيام تدور، ويوم لك ويوم عليك.

فضلة خيرك

تناول الغداء في العمل صار طقسا يوميا، ومتى دخلت قاعة الطعام ستجد أحدهم، وعمّال التوصيل دائما حاضرون عند الباب، وفي الأغلب هناك بقايا للطعام، يحرص البعض على حفظها بالثلاجة، وغالبا ينساها، مما تمثل عبئا ومصدر فوضى وإزعاج.

لا تتعجل إرسال بقايا طعامك بعد شبعك إلى الثلاجة. انظر حولك، من الممكن أن تستخدمها لــ”تطييب الخواطر”، إنها تعني لعمال النظافة والقائمين على خدمتك في العمل في مهن ثانوية الكثير والكثير.

رابطة حرّاس الثلاجة

من الصعب تعيين حارس على الثلاجة بالطبع، ستكون نكتة لاذعة إن حصلت، لكن من الممكن أن نتآمر جميعا على حراستها. من الضروري أن نشيع أننا جميعا مسؤولون عن الأغراض الموجودة بالثلاجة، فإن خرج “س” بكوب شايه، فـ”ص” يدخل ليتناول طعامه، فالعيون كلها متواطئة على حراسة الثلاجة. وسيكون التعريض بالفضوليين والمتطفلين على الأغراض بالثلاجة نهاية الأزمة.

وسيكون ضمّ عامل النظافة المرابط في المطبخ أغلب الأوقات إلى رابطة مراقبي الثلاجة نقطة حاسمة، حمّلوه بعضا من المسؤولية بحكم وجوده الدائم، ولن يخذلكم.

خلاصة القول، إن ثلاجة العمل العامرة بالخيرات، النظيفة المرتّبة الفوّاحة بالروائح الطيّبة، دليل دامغ على بيئة عمل سويّة، ولا نتجاوز إن قلنا “مثالية”.

اترك تعليقاً