في وقائع التحرش عادة ما يكمن الشيطان في التفاصيل
في وقائع التحرش عادة ما يكمن الشيطان في التفاصيل
article comment count is: 0

“هزار” جادّ وأكواد لـ”الأنطاع”.. نميمة نسائية عن التحرش في العمل (1)

عندما استوقف أمن المبنى الفاخر- الخليط من “البودي جارادات” والشرطة النظامية، كما يليق بإحدى أهم وأشهر وأوسع المؤسسات الإعلامية المصرية الخاصة/العامة انتشارا- الصحفيّة الشابة، وبسحنة ذكوريّة متفحّصة “وقحة” لم تعهدها من قبل، ليبلغوها من دون مقدمات بقرار طردها من العمل وإدراجها على قائمة المحظورين نهائيا من الدخول، دارت الدنيا بها ولم تقعد، وتجمّدت “مقهورة” في مكانها.

ظلت للحظات مشلولة تطالع بـ”هَبَل ساذج” البوابة الإلكترونية التي تكشف المعادن، وتمنت لو أن هناك واحدة شبيهة للكشف عن “الأفكار الشُجاعة/ المتهورة، والقرارات الجريئة/ الخطرة”.

حيادية/ شيطنة

بينما تسير هائمة على وجهها في الشوارع عائدة إلى لا مكان، استرجعت الصحفيّة الشابة الواقعة بعقل حياديّ متجرّد. في خطوط الواقعة العريضة كما أملى عليها كتيّب “المبادئ الأساسية للصحافة”: صحفيّة شابة تتعرض للتحرش في مكان العمل من رئيسها، تكسر الصمت وتقرّر تصعيد الموقف، تحرّر محضرا رسميا بأقرب قسم شرطة، ويتوالى سيل التضامن والدعم الصاخب.

لكن الشيطان يكمن في التفاصيل: لماذا لم تلفتي النظر أولاً؟ هل ترغبين في شو إعلامي؟ ما أكثر ما نتعرض نحن النساء لمثل هذه المواقف، كان بإمكانك أن تطلبي تحقيقا إداريا داخليا، فلتدخلي إلى الرجل الكبير “المتزنّ” فمكتبه مفتوح على مصراعيه للجميع، فلنحتكم إلى نظام كاميرات المراقبة فكل شيء مسجّل على مدار الساعة، أنتِ المسؤولة الأولى والوحيدة بانفتاحك وتباسطك مع الجميع وملابسك المكشوفة وطريقة حديثك، هل عادت إليك نوبات الاكتئاب وتتسولين الاهتمام؟ وما رأي زوجك؟!

القصة الأولى ل”بروجرام” الليلة

استحوذ نبأ “الفصل التعسفي” على جلسات النميمة المسائية، وكانت الشفقة على حال الصحفيّة الشابة القصة الأولى على أجندة “بروجرام” الليلة لزميلات لها في الوسط الصحفي وخارجه، عازبات ومتزوجات ومطلقات وبين بين، يلتقين أسبوعيا لتبادل النميمة والتسلّي بالفضائح “غير المفضوحة”، و”التقطيع في فروة الرجال”، وتقرير خريطة الطريق الأسبوعية لشبكة العلاقات النسائية-الرجالية في محيطهنّ.

ومن بين أنفاس “حجر شيشة بالمستكة” لا مانع من مراجعة سريعة لمستوى نجاعة التكتيكات المتبعة في التعامل مع المتحرشين “الأنطاع”، والمتوافق عليها بالإجماع، والتي يتولّى جيش جرّار من المتطوعات ترويجها “وكله بالإقناع” في جروبات ومنتديات البنات الخاصة المغلقة على السوشيال ميديا.

الآثار النفسية للعنف ضد المرأة في العمل
الآثار النفسية للعنف ضد المرأة في العمل

دراما صامتة

لاذت “كبيرة القعدة” طوال الوقت بالصمت على غير عادتها المثرثرة. على الرغم من أنها جاوزت سن الثلاثين منذ أيام، نُصّبت “المستشارة مشيرة” للمجموعة لخبرتها واحتكاكها بكل فئات وطبقات المجتمع المصري، ببساطة لأنها “جابتها من تحت قوي قوي”. ورأيها دائما ما يستند إلى تجربة نسائية ما “صارخة في دراميتّها”، إلا أن اللحظة الآن لا تتطلب معالجة الدراما بدراما أخرى، بقدر ما تستحق وقفة متأمّلة.

تعاهدت رفيقات جلسة النميمة الأسبوعية، من قبل، على عدم الاستسلام أبدًا لتيار “النكد” الغامر، فما هي إلا موجة ستتبعها موجات، وقرّرن في تحدٍ أن يغيّرن مزاج “مستشارتهم” من النقيض إلى النقيض، وأخذن يعدّدن انتصاراتهم الأخيرة، من واقع نصائحها المجرّبة، وستأتي الضحكة “المجلجلة” حتما.

صاحب السطوة

انفتح باب الحكيّ ليطلّ المدير المتحرش صاحب السطوة والهيبة وتهديد الأرزاق المعلقّة بكلمة منه، فكيف تعاملت معه صديقة الجلسة من واقع النصائح التي قُدّمت لها. تقول “كنت خائفة بصراحة، لكن انتصرت لشجاعتي ولبنات المكتب ودخلت، وبعد تمهيد والشكوى من سيطرة الأجواء السلبية على المكتب، قلت له: أنا عندي سؤال محرج، لو فيه شكوى لزميلة ضد واحد متحرش في المكتب، أقدّمها لمين بالضبط؟ أكثر من زميلة تسأل عن آلية التعامل في مثل هذه المواقف والإجراءات المتبعة، من المؤكد هناك طريقة محددة في اللائحة الداخلية، لكن هذا الوضع جديد عليهن ويستشعرن الحرج. أحالني المدير باستخفاف غاظني إلى سكرتيرة مكتبه، وقبل أن أخرج، سألته وابتسامة طفولية عريضة على وجهي لأرد الصفعة: حتى لو كان حضرتك المتحرش؟! فبُهت الذي تحرش”.

عندما انبطح الصيّاد

تبدّلت أجواء جلسة النميمة شيئًا فشيئًا وعادت إلى بعض عهدها المرح، وقد كانت صديقة أخرى تتحرّق شوقًا للكشف عن آخر مغامراتها مع “الأنطاع”. بحركات يدها العصبية التي تهوّش في كل ناحية، تسرد المشهد الكوميديّ “مثل ما رتبّنا تماما، قدِم فني الآي تي، والذي لم تسلم فتاة في المكتب من تحرشه، بحكم تدخلّه الدائم لحلّ مشكلة هنا أو هناك، وبالطبع يستغل حصاره لمساحتك الشخصية ليلمس أو يحتكّ بأي شي يطوله، جاء متحمسا، فالصيد في الانتظار، لكن بمجرد اقترابه غير عابئ بموطأ قدمه، جذبت زميلة كامنة غير بعيد (سلك اللاب توب)، فتعثّر وانكفأ على وجهه وسط ضحكات الجميع وسخريته، كان مهزأ كما يليق به، يا عيني (صياد ورحت اصطاد.. صادوني) كان درسا قاسيا، ويبدو أنه ارتدع أخيرا”.

هل يستعيد الحنق أسبابه؟

أمام طوفان التشجيع وحصارها بالأسئلة، يبدو أن “جبل الجليد” بدأ في الذوبان، وانجرفت “المستشارة مشيرة” أخيرا إلى الحكي بالعةً مرارة حنقها المُغتاظ.

استعادت موقفاً محفورا في ذاكرتها الطفوليّة، عندما خرجت بصحبة أبيها وعائلتها، للتنزه في أحد الأعياد، وتعرضت للتحرش، وزاد الأمر سوءا أن أباها “رمز الحماية” نهرها وحمّلها مسؤولية تشجيع المتحرشين، وتحولت فرحة الطفلة بالعيد إلى لطمة مدوّية.

منذئذ، طوّرت لنفسها آلية، تراها ناجعة للتعامل مع مجتمع شرقيّ ذكوريّ، يحمّل الأنثى مسؤولية الفعل وردّ الفعل و”أمّ وأبّ الفعل”. وبحسب قناعتها “مجتمع لن يتغير قريبا، ولا حتى في المستقبل المأمول، وعليه فلا بدّ أن نتعايش، كنساء (شقيانة)، مع الوضع، ونضع (الأنطاع) عند حدودهم، نتحمل مسؤوليتنا الواجبة في تقويمهم، ومن لم يربه أهله و(الماما) فلنربه نحن الكادحات، وكله بالطريقة”.

تخفّفت “كبيرة القعدة” من حنقها، واستسمحت صديقاتها أن يعذرنها، فهي كما يعلمن تكره التنظير والكلام الكبير وتموت في “الفرفشة”، لكن الخطب جلل، وقد قررت إكراما للصُحبة اللطيفة أن تعرّج أخيرًا على فقرة “العملي”. وهذا حديث مطوّل مشوّق بالتأكيد، وكلهنّ أذان مصغية.

ونستكمل النميمة النسائية عن التحرش في العمل في مقال قادم.

اترك تعليقاً