article comment count is: 2

ثقافة بيئة العمل.. تجربة مع الآخر

يخبرني صديقي أن الشركة “الفلانية” تبحث عن مهندسين، أخبره أني سيء الحظ لأني أجريت قبل يوم عملية جراحية صغيرة في الفم تسمى “ضرس عقل مدفون” ونتيجتها المباشرة تورم الوجه لعدة أيام، وبالتبعية عدم القدرة على تهذيب لحيتي، لا يمكن أن أجري مقابلة عمل بهذا المظهر، وجه متورم وذقن طويلة وفم يخرج الكلمات بصعوبة.

أصر صديقي وذهبت لتلك المقابلة معتمدًا على مجموعة ضخمة من المسكنات كانت نتيجتها هدوء رهيب في كل أفعالي وردودي، أنهيت مقابلة شئون العاملين ثم تلاها مقابلة مع مدير المصنع الذي سمع في كلامي ما جعله يتحمس ويعلن بنفسه عن قبولي بهذه الشركة ومصنعها الضخم الذي يتجاوز العاملون به العشرة آلاف موظف، ووقعت العقد يومها!

في يومي الأول يستقبلني موظف شئون العاملين صاحب الذقن الطويلة لاستكمال أوراقي والتي كان من بينها استمارة كان يجب أن أبدأ بها قبل توقيع العقد، استمارة تعارف أراها ساذجة بعض الشيء، بها أسئلة عن وظيفة والدي ووالدتي، هواياتي المفضلة وإلى آخره من هذه الأسئلة.

أما السؤال الأخير فكان عن آخر كتاب قرأته، نظرًا لأن هذا الموظف كان ينظر في الورقة التي أملاها بشكل فج، ونظرًا لأن الشغب يجري في عروقي بمصاحبة كرات الدم البيضاء والحمراء، قررت أن أكتب عنوان كتاب يصيبه بالثورة والامتعاض، وقد كان اعترض بشدة وأخبرني بأننا كجماعة لا يجب أن نقرأ هذا النوع من الكتب، قلت له أني لست منهم، قاطعني سريعًا كجماعة أو كمحبي لها، أخبرته مجددًا أني لست حتى من محبيها، بالعكس أنا من الطرف الآخر تمامًا، أصابته الدهشة وظل صامتًا حتى وصلت مكتبي.

في مكتبي لم تمر سوى دقائق ووجدت أحدهم يطرق الباب ويسألني، هل أنت المهندس “الليبرالي” الجديد؟ أعدل له “علماني” يبتسم ويرحب بي بشدة ويخبرني أنني سأستمتع بوقتي في هذه الشركة كثيرًا، أحدهم هذا سيصبح صديقي بعد ذلك، ولا أعلم هل يجب أن أذكر أنه أيضًا يطلق لحيته كحال أغلب العاملين في المصنع أم أن الصورة كاملة قد اتضحت لك؟

لمدة عام كامل تعرفت على مختلف أصناف الآخر، الذي كنت أسمع وأقرأ عنه في الجرائد ومواقع التواصل الاجتماعي، أقتربت منه وعرفت أنواعه وطريقة تفكيره وطريقة حكمه على الأمور، بالتأكيد مثلما رأيت ما يضايقني رأيت ما يسرني، وتعلمت أن ألوان الطيف لا تعبر فقط عن الاختلاف في المجتمع، بل تعبر عن الاختلاف في الفصيل الواحد، لا يوجد قالب يمكنك أن تضع فيه نوع معين من الأشخاص حتى وإن اتفقوا في الثقافة والمعتقد والأهداف، دائمًا ستظهر اختلافات مهما حاول أرباب أي فصيل توحيد أبناء فصيلهم.

بعضهم استمتع بلقاء الآخر المتمثل في شخصي، بعضهم اعتبريني عنصر غير مرغوب فيه يجب عليه أن يتجنبني، وبعضهم كنت له مصدر استفزاز، معركة مفتوحة يريد أن ينتصر في كل زواياها، هل تأثر العمل بذلك الاختلاف؟ بالتأكيد تأثر، والغريب أنه تأثر سلبًا وإيجابًا، مثلما صعب الاختلاف العديد من الأمور، مثلما سهلها.

في النهاية خرجت من تلك التجربة بمجموعة علاقات، علاقة واحدة فقط قوية، يمثل كل طرف فيها الآخر للطرف الثاني، وجدنا أرضية مشتركة واسعة، ووجدنا نقاط من المستحيل الاتفاق فيها، ولكن مازال طرفي العلاقة يحاول جذب الطرف الثاني لمساحات مشتركة جديدة، لعبة قط وفأر لطيفة وألطف ما فيها أنها خرجت خارج إطار العمل، حتى لا يتأثر بنتائجها.

اترك تعليقاً

آخر التعليقات (2)

  1. تحياتي وتمنياتي لكم بالتوفيق.
    السؤال :هل تقتصر مهمتكم على الارشاد؟ وما هي المساعدات التي ستقدمونها؟

    1. أهلا خالد
      مسارات هي منصة إعلامية تطرح محتوى جديد ومبتكر عن التعليم والتوظيف وسوق العمل وموارده من شركات وأفراد. يستهدف موقع مسارات الشباب الباحث عن فرصة حقيقية لاكتشاف ذاته ومساره المهني وكيفية تطوير مهاراته الشخصية والعملية.
      صُمم “مسارات” لمناقشة اهتمامات واحتياجات الشباب الواعي بمحيطه، الباحث عن يد مساعدة في: التخطيط الدراسي، والإرشاد المهني، ومتطلبات سوق العمل التنفيذية والفردية، ومعرفة نقاط القوة والعمل على نقاط الضعف، وأهمية التدريب المهني، والمنصات الموثوقة في مجال التوظيف، وقصص نجاح ملهمة. “مسارات” أداة تساعد الشباب في قياس مهاراتهم الحالية والتخطيط للمستقبل، وتساهم هذه المنصة على إبراز احتياجات ومتطلبات الشباب الباحث عن تحقيق ذاته الاقتصادية والعملية وايصال هذه الاحتياجات للمؤسسات والجهات المسؤولة.

      بالاضافة إلى الارشاد المهني والتعليمي مسارات سيقوم قريبا بتقديم خدمات الاستشارات والتوجيه الجماعي والفردي من خلال منصة ملحقة بالموقع بالاضافة إلى مجموعة كورسات تعليمية نرجوا أن تكون مفيدة لمتابعينا.. نشكرك خالد على المتابعة والاهتمام